فوزي آل سيف
69
فقه العلاقات الاجتماعية
لا يأمن جاره مكائده وبوائقه فليس مؤمنا ، فقد نقل أنه قال «و اللّه لا يؤمن ! و اللّه لا يؤمن ! و اللّه لا يؤمن ! فقيل: يا رسول اللّه .. من؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه» ، ولقد بعث رجلاً في حاجة له فابطأ عليه فلما مثُل عنده قال له : ما أبطأك ؟ فقال : العري يا رسول الله ! فقال النبي : أما كان لك جار له ثوبان يعيرك أحدهما ؟ ـ بلى : يا رسول اللّه! فقال : ما هذا لك بأخ ! ويعدد رسول الله صلى الله عليه وآله الحقوق الأخلاقية للجار ، وإن لم تكن ملزمة شرعاً على نحو الوجوب ، فيقول : إن استغاثك أغثته ، وإن استقرضك أقرضته ، وإن افتقر عدت عليه ، وإن أصابته مصيبة عزيته ، وإن أصابه خير هنأته ، وإن مرض عدته ، وإن مات اتبعت جنازته ، ولا تستطل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلا بإذنه ، وإذا اشتريت فاكهة فأهد له ، فإن لم تفعل فأدخلها سراً ، ولا تخرج بها ولدك تغيظ بها ولده ، ولا تؤذه بريح قدرك إلا أن تغرف له منها [209]. وفي وصية أمير المؤمنين علي عليه السلام في آخر أيام حياته أنه قال لبنيه : الله الله في جيرانكم فإنهم وصية نبيكم ما زال يوصينا بهم حتى ظننا أنه سيورثهم ) . وفي الخبر الذي ينقله الشيخ الصدوق بسنده عن الحسين بن علي ، عن أخيه الحسن قال : رأيت أمي فاطمة عليها السلام قامت في محرابها ليلة جمعتها فلم تزل راكعة ساجدة حتى اتضح عمود الصبح ، وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسميهم ، وتكثر الدعاء لهم ، ولا تدعو لنفسها بشئ ، فقلت لها : يا أماه ، لم لا تدعون لنفسك كما تدعون لغيرك ؟ فقالت يا بني ، الجار ثم الدار[210] . ورغّب في حسن الجوار لما يخلفه من آثار حياتية واجتماعية على المتجاورين ، فقد روي عن الإمام جعفر بن محمّد الصّادق عليه السّلام أنّه قال: «حسن الجوار يعمر الدّيار و يزيد في الأعمار» . ونفى عن أهل البيت وأتباعه ، من لم يكن حسن المجاورة لجيرانه ، فقال : ليس منا من لم يحسن مجاروة من جاوره ). وفي رسالة الحقوق المعروفة للإمام زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام ( وأما حق جارك فحفظه غائباً وإكرامه شاهدا ونصرته إذا كان مظلوماً ولا تتبع له عورةً فإن علمت عليه شيء سوء سترته عليه وإن علمت أنه يقبل نصيحتك نصحته فيما بينك وبينه ولا تسلمه عند شديدة وتقيل عثرته وتغفر ذنبه وتعاشره معاشرةٍ كريمة ) . وفي المقابل فقد حذر الإسلام من إيذاء الجار واعتبر ذلك سببا من أسباب دخول النار وإن كان الفاعل لذلك مصلياً ومزكياً ، كما يظهر من قول رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقد قيل للنبي إن فلانة تقوم الليل وتصوم النهار وتفعل الخيرات وتصدق وتؤذي جيرانها بلسانها ! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : لا خير فيها هي من أهل النار ! ويظهر أن الغاية من هذه التوجيهات ، بناء المجتمع المتواصل والمتعاضد والقوي ، فإن قسماً من الناس قد تربطهم علاقة القرابة ، أو المصاهرة وتشكل تلك العلاقة مصدر تماسك في عوائلهم وأسرهم ، غير أنها علاقة محدودة ، وغير اختيارية ـ في جهة القرابة ـ . بينما علاقة الجوار علاقة اختيارية ، حيث بإمكان الإنسان أن يختار المنطقة التي يريد السكن فيها غالباً ، كما أنها علاقة واسعة وشاملة ، كما سيأتي في بحث حدود الجيرة والجوار . ولا تتقيد تعاليم حسن الجوار بكون الجار مسلما ، فالإسلام ـ كالقرابة ـ وإن أضاف جهات تأكيد في حسن الجوار ، إلا أنه ليس شرطاً في حسن الجوار بمعنى أنه إن كان غير مسلم فلا ينبغي حفظ حقوقه كجار .. كلا ! فإن نفس عنوان ( الجار ) يوجب له حقاً لا بد من القيام به ..
--> 209 ) ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج 1 - ص 488 210 ) وسائل الشيعة - - ج 7 - ص 113